ابن كثير
142
البداية والنهاية
باسلا عالما فاضلا ، اشتغل في الفقه على مذهب أبي حنيفة على الحصيري مدرس النورية ، وفي اللغة والنحو على التاج الكندي ، وكان محفوظه مفصل الزمخشري ، وكان يجيز من حفظه بثلاثين دينارا وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة يشمل صحاح الجوهري والجمهرة لابن دريد والتهذيب للأزهري ( 1 ) وغير ذلك ، وأمر أن يرتب له مسند الإمام أحمد ( 2 ) ، وكان يحب العلماء ويكرمهم ، ويجتهد في متابعة الخير ويقول أنا على عقيدة الطحاوي ، وأوصى عند وفاته أن لا يكفن إلا في البياض ، وأن يلحد له ويدفن في الصحراء ولا يبنى عليه ، وكان يقول : واقعة دمياط أدخرها عند الله تعالى وأرجو أن يرحمني بها - يعني أنه أبلى بها بلاء حسنا - رحمه الله تعالى ، وقد جمع له بين الشجاعة والبراعة والعلم ومحبة أهله ، وكان يجئ في كل جمعة إلى تربة والده فيجلس قليلا ثم إذا ذكر المؤذنون ينطلق إلى تربة عمه صلاح الدين فيصلي فيها الجمعة ، وكان قليل التعاظم ، يركب في بعض الأحيان وحده ثم يلحقه بعض غلمانه سوقا . وقال فيه بعض أصحابه وهو محب الدين بن أبي السعود البغدادي : لئن غودرت تلك المحاسن في الثرى * بوال فما وجدي عليك ببال ومذ غبت عني ما ظفرت بصاحب * أخي ثقة إلا خطرت ببالي وملك بعده دمشق ولده الناصر داود بن المعظم ، وبايعه الامراء . أبو المعالي أسعد بن يحيى ( 3 ) ابن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب الفقيه الشافعي البخاري ، شيخ أديب فاضل خير ، له نظم ونثر ظريف ، وله نوادر حسنة وجاوز التسعين . قد استوزره صاحب حماة في وقت وله شعر رائق أورد منه ابن الساعي قطعة جيدة . فمن ذلك قوله : وهواك ما خطر السلو بباله * ولأنت أعلم في الغرام بحاله فمتى وشى واش إليك بشأنه * سائل هواك فذاك من أعداله أوليس للدنف المعنى شاهد * من حاله يغنيك عن تسأله جددت ثوب سقامه ، وهتكت ستر * غرامه ، وصرمت حبل وصاله
--> ( 1 ) في ابن الأثير 12 / 472 : للأرموي . ( 2 ) يعني ترتيبه على الأبواب ، ويرد كل حديث إلى الباب الذي يقتضيه معناه ، مثاله : أن يجمع أحاديث الطهارة ، وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق ، والتفسير ، والغزوات . . . ( 3 ) تقدم في وفيات سنة 622 ، وذكره المؤلف هناك بلقبه المعروف البهاء السنجاري ، ولعل ايراده هنا سهو من الناسخ ، أو التبس عليه لقبه بأبي المعالي .